ابن كثير

108

البداية والنهاية

وفيها أيضا ترك الأشرف موسى بن العادل لأخيه شهاب الدين غازي ملك خلاط وميافارقين وبلاد أرمينية واعتاض عن ذلك بالرها وسروج ، وذلك لاشتغاله عن حفظ تلك النواحي بمساعدة أخيه الكامل ونصرته على الفرنج لعنهم الله تعالى . وفي المحرم منها هبت رياح ببغداد وجاءت بروق وسمعت رعود شديدة وسقطت صاعقة بالجانب الغربي على المنارة المجاورة لعون ومعين فثلمتها ، ثم أصلحت ، وغارت الصاعقة في الأرض . وفي هذه السنة نصب محراب الحنابلة في الرواق الثالث الغربي من جامع دمشق بعد ممانعة من بعض الناس لهم ، ولكن ساعدهم بعض الامراء في نصبه لهم ، وهو الأمير ركن الدين المعظمي ، وصلى فيه الشيخ موفق الدين بن قدامة . قلت : ثم رفع في حدود سنة ثلاثين وسبعمائة وعوضوا عنه بالمحراب الغربي عند باب الزيارة ، كما عوض الحنفية عن محرابهم الذي كان في الجانب الغربي من الجامع بالمحراب المجدد لهم شرقي باب الزيارة ، حين جدد الحائط الذي هو فيه في الأيام التنكزية ، على يدي ناظر الجامع تقي الدين ابن مراجل أثابه الله تعالى كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى . وفيها قتل صاحب سنجار أخاه فملكها مستقلا بها الملك الأشرف بن العادل . وفيها نافق الأمير عماد الدين بن المشطوب على الملك الأشرف وكان قد آواه وحفظه من أذى أخيه الكامل حين أراد أن يبايع للفائز ، ثم إنه سعى في الأرض فسادا في بلاد الجزيرة فسجنه الأشرف حتى مات كمدا وذلا وعذابا ( 1 ) . وفيها أوقع الكامل بالفرنج الذين على دمياط بأسا شديدا فقتل منهم عشرة آلاف ، وأخذ منهم خيولهم وأموالهم ولله الحمد . وفيها عزل المعظم المعتمد مفاخر الدين إبراهيم عن ولاية دمشق وولاها للعزيز خليل ، ولما خرج الحاج إلى مكة شرفها الله تعالى كان أميرهم المعتمد فحصل به خير كثير ، وذلك أنه كف عبيد مكة عن نهب الحجاج بعد قتلهم أمير حاج العراقيين أقباش الناصري ، وكان من أكبر الامراء عند الخليفة الناصر وأخصهم عنده ، وذلك لأنه قدم معه بخلع للأمير حسين بن أبي عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم العلوي الحسني الزيدي بولايته لامرة مكة بعد أبيه ، وكانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة ، فنازع في ذلك راجح وهو أكبر أولاد قتادة ، وقال لا يتأمر عليها غيري ، فوقعت فتنة أفضى الحال إلى قتل أقباش غلطا ، وقد كان قتادة من أكابر الاشراف الحسنيين الزيديين وكان عادلا منصفا منعما ، نقمة على عبيد مكة والمفسدين بها ، ثم عكس هذا السير فظلم وجدد المكوس ونهب الحاج غير مرة فسلط الله عليه ولده حسنا فقتله وقتل عمه وأخاه أيضا ، فلهذا لم يمهل الله حسنا أيضا ، بل سلبه الملك وشرده في البلاد ، وقيل بل قتل كما ذكرنا ، وكان قتادة شيخا طويلا مهيبا لا يخاف من أحد من الخلفاء والملوك ، ويرى أنه أحق بالامر من كل

--> ( 1 ) قال أبو الفداء في تاريخه : نقله من حبس الموصل وحطه مقيدا في جب بمدينة حران حتى مات سنة 619 ه‍ . ( 3 / 125 )